Skip to main content

الأزمة بين الخضراء والتحرير «صراع الإزاحات ومستقبل شيعة العراق سياسيا»

مقالات الأربعاء 25 كانون أول 2019 الساعة 15:40 مساءً (عدد المشاهدات 940)

محمّد صادق الهاشميّ

أوّلاً- الأزمة التي اندلعت مؤخّراً بدأت بالمطالبة بالخدمات، وتعددت محرّكاتُها وآلياتُها، ومرّت بمراحل عديدة , إلّا أنّه يمكن القول عنها الآن: إنّها انتهت بواقعٍ خلاصته : هناك طرفان يتخاصمان، يزيح بعضهم بعضا بتنافس على المواقع التي خلّفها خروج الأحزاب الكبيرة عن التأثير.
نعم كلٌّ يريدُ أنْ يحتلّ مساحته الطبيعية في الدولة وفي القرار؛ لأنّ هذا يترتّبُ عليه مستقبل أيّ طرف يحسم الأمر، ومَنْ يحسم النتيجة يرسم شكل الدّولة, أو أنّ ثمّة صراعاً يُذهب بريحنا جميعا إنْ لم تبادر القوى والأحزاب لضبط الايقاع في الخضراء والشّارع والرّجوع إلى الحوار، وفوق كلّ هذا العدوّ المتربّص, وهذه «سياسة التربّص لاستغلال الفراغ والارباك والضّعف» هي المحصّلة الأخيرة والمهمّة في سيناريو الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنّها أرادت أنْ يحصل انقسام شيعيّ، وها هو اليوم يحصل, وأرادت أنْ تتقابل القوى الشيعية بالتضادّ والتّشاحن, فأحدهم يمسك الشّارع والطّرق والجسور والثّغور والجسور، والآخر يمسك الخضراء، بينما رئيس الجمهورية يقف في المنتصف، والدّولة كلّها مرتهنة اليوم، ومهددة غدا، لهذا التضاد الذي قد يتحوّل في لحظة إلى تقابل بالسّلاح فيما لو لم يتمّ التحكّم به, وحتّى مشروع الانتخابات المبكّرة يكون محكوما بهذا الواقع؛ لأننا في صراع وجودي.
إنّ مَنْ يدقق بعمق يجد أنّ المشهد السياسيّ العراقيّ بأدقّ توصيف وأكثر واقعية: «أنّه يدخل من أوسع وأكبر بوابات الصراع الشّيعي سياسيّاً وأمنيّاً»، وربّما سوف تختلف حول عمق مراكز القرار السياسي كلّها، وتتشظّى بأجمعها، ويتعقّد جمعها حينما لا يتجاوز تأثير صوت المرجعية «شارع الرّسول».
وهذا المشهد أقرب إلى الواقع؛ لأنّ اجتماع القوى التي اتفقت وتوافقت لتكليف عادل عبد المهدي عاد ضرباً من المستحيل، وأقرب إلى الخيال، وإنّ هذه الكتل التي انتج اتفاقُها الوهمّي العنكبوتّي تكليف عادل, فإنّ نفس هذه الكتل اليوم أسقط خلافُها عادل عبد المهدي، ومنع تعيين البديل.
ثانياً - أمريكا تعلم أن «جوكرها» لايصمد، وأنّ غيرَهَا من تيّاراتٍ مدنيّةٍ مستأجرةٍ لا يمكن أنْ تشكّل تهديداً حقيقياً للدّولة العراقيّة، ولا يلبّي طموحها في تنفيذ مشروعها، ولا يمكن لهذه «الجوكرات» كآليات من استمرارها بعد طلب المرجعيّة من الشّعب العراقيّ طرد هذه النّماذج «المندسّة» لذا لا يمكنُ أنْ نعتبر أنّ «الجوكر الأمريكي» هو من يهدد العملية السياسية، بل التّهديد الحقيقي الذي قد تستغلّه الأطراف الخارجية وعلى رأسها أمريكا هو شقّ الصّف الشّيعيّ، وأنّ كلّ المؤشّرات تتجه إلى أنّ أمريكا سوف تلعب على حبل الانقسامات لإيجاد ثغراتٍ أكبر لمشروعها بعد مراحلَ لاحقةٍ من ضعف العملية السياسية، أو حال وصولوها إلى مرحلة الانسداد، والآتي كثيرٌ، ونقاط الخلاف أكثر، ومحطاتُه متعددةٌ بدأ من مرحلة اختيار البديل لعادل عبد المهدي، ثمّ قانون الانتخابات، ثمّ الانتخابات، وصولا إلى تشكيل الحكومة، وهنا ستلقي أحداث التّظاهرات وما انتهت إليه من صدع في الموقف الشيعي على كلّ مسارات العملية السياسية ومستقبلها.
ثالثا - وفق ما قدّمناه فإنّ الكتلة الأكبر التي جعلها الشّيعة إحدى مقدّساتهم وثوابتهم الدّستورية حتّى تكون سور الصّين الشّيعي الذي يمنع الأغيار أنْ يصادروا حقّه, بيد أنه اليوم يعدّ هذا السّور منخوراً وممزقاً, ويوما مّا كان حلّاً، بينما اليوم تحوّل اليوم إلى أس في المشكلة، لذا غادره القوم عام 2018، واليوم تمسّكوا به كلّ بطريقته، بعدما فشل العامريّ في تحالفه مع سائرون لحقن دماء الشيعة - كما كان يردد - ولم يصمد الزّواج بينهم، بعدما كان يصف تحالفاته بأنّها «زواج كاثوليكيّ».
رابعاً - تبيّن لي أنّ عقل عادل عبد المهدي في عالم السّياسة، وفهم الدّستور عقلاً ممّيزاً, فهو الذي أمعن مليّاً في واقع العملية السياسية، وبحرص شديد، وفهم عميق من خلاله أدرك أنّ واقع الشيعة بعده سيكون ممزّقاً، وقد ينتهي إلى الصّراع؛ لأنّ الوليد الحكومي من زواج سائرون والفتح هو وحده المخرج، ومتى ما انفضّ هذا الزّواج يعني لا حلّ يلوح في الأفق إلّا الرّصاص، أو الشّلل التّام لحركة الدّولة والمؤسسات، فكان في غاية الذّكاء حينما اقترح مبكّراً أنْ يتّفق السيّد مقتدى والعامريّ على خلعه وتعيين البديل.
كما أنّ عادل عبد المهدي أدرك أنّ ثمّة انقساماً في الواقع الشّيعي بين كتلتين كبيرتين، وكلاهما يتنافس على مواقع الدّولة بعد الفراغ الكبير الذي تركته الأحزاب الكبيرة أثر ضعفها وفشلها.
خامساً - اليوم – وللأسف الشّديد - يوجد تقسيمٌ ربّما يكون عفويّاً، ولكن البعض يتعامل به في الخطاب الخاصّ، مفاده تقسيم الأحزاب الشيعية إلى ثلاث محاور : «أمريكيّ ، وإيرانيّ ، وأبناء الدّاخل» فالنّصر، والحكمة، يمثّلان الأوّل، والفتح والقانون يمثّلان الثّاني، والتيّار الصّدري ومن معه يمثّلون الثّالث، ونحن نجزم أنّ هذه التّقسيمات تقف خلفها مراكز إعلاميّة وفكريّة ومؤسسات خطرة؛ لتُعَمّقَ الخلاف بين الأحزاب الشّيعية، وتمنع تلاحمها .
سادساً - النتيجة: أنّ المتابع يجدُ أنّ الخلاف الآن يدورُ بين محورين، وهما: الفتح وسائرون، بينما تقف باقي الأحزاب موقف المتفرّج، أو موقف الملتحق، وهذا هو الخلاف الذي يمنع أنْ تتشكّل الحكومة, بل يمنع قيام الدّولة إنْ لم يتمّ علاجه الآن بروح الحوار المشترك والحريص والجادّ.
قد يردُ سوالٌ: هل يمكن إعادة العلاقات بين (الفتح وسائرون) إلى سيرتها الأولى ليتمّ تكليف البديل، وحسم الخلاف، وإطفاء النّائرة، وإخماد الفتنة الان ومستقبلاً ؟
الجواب: كلا، فإنّ ثمّة تُهماً متبادلة بين الطّرفين بأنّ الآخر يزحف على الدّولة العميقة؛ ليرسّخ وجوده، ويحتلّ مساحاتٍ أكبر، ومن المؤكّد أنّ في ذهن أحدهم قراراً بأنّه لا يسمح للآخر أنْ يناصفه الدّولة، ولا أنْ يساوقه في الوجود، وهنا مصدر الخلاف الذي يبرره البعض بأنّ ثمّة خلافاً دستوريّاً على الكتلة الأكبر، بينما الخلاف على الوجود الأكبر؛ فإنّ عهد الازاحات قد بدأ بين من يريد إزاحة الجميع، وبين من يريد الإبقاء على الشّراكات، وبفعل هذا الواقع ستنشأ بينهم الاختلافات اليوم وغداً بكلّ أبعادها السياسية الخفيّة والعلنية، وكلٌّ يتمسّك بقراراه ورجاله وتحالفه؛ لأنّه يدركُ أنّه مهددٌ بالازاحة .
نعم تضادّ القوم بعضهم للبعض الآخر في الرّؤية والوجود هو نقطة الجدل المركزيّة التي تنطلق منها معركة إعادة ترتيب التّوازنات والمرجّحات والتّخاصم وصولاً إلى الإزاحات بينهم، أمّا موقف وموقع الدّعوة وباقي الأحزاب الأُخرى فستحدده طبيعةُ فهمهم لما يجري، وكيفية تحديد واتخاذ القرار الذي ينهض بهم أنْ يكونوا بيضة القبان، لا قبان البيضة المهمل.
سابعا- وسائل هذا الخلاف مؤلمة ومتعددة ومتنوعة ومؤدلجة وخطرة ولها تبعات وآثار في القريب والبعيد، ومنها ينفّذ كلّ مشروع خطير، ويندسّ كلّ خليجي حقير، فإذا اختلف الأخوة تربّص بهم عدوّهم .
والمحيّر هو : أين موقع الحراك الشّعبي والتّظاهر السّلميّ للمطالبة بالحقوق والخدمات من الصّراع والإنقسام الدّاخليّ الذي يسخّر جاهدا هذا الحراك ؟. وأين موقع التّظاهرات المطلبية من التّدخل الخارجيّ الذي يثبت كلّ طرف منهم للتّمسّك بمساحته حتّى لا يزيحيه الطّرف الاخر؟
نعم إنّها معركة الازاحات الدّاخلية والخارجية، ونشير إلى أنّ معركة الإزاحات تستوجب منّا أنْ نتعرّف على : أين ستقع مصالح الشّعب العراقيّ، ومستقبل العملية السياسية؟ وما هو موقف المرجعية؟ وموقف الجوار؟ والموقف الاقليميّ والدّولي؟ وأين تضع الأحزاب الكبيرة نفسها؟, وأين الحلّ والآليات والتّفاهمات؟, والنتيجة لا يحسمها مرشّح بل تفاهم ؟

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
الأكثر قراءة