Skip to main content

قوافل الشهداء.. الخسارات الحقيقية للدونكيشوت عبد الله المؤمن

مقالات الخميس 21 أيار 2020 الساعة 11:48 صباحاً (عدد المشاهدات 411)

بقلم جعفر الحسيني

في عام 1980،حين اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية، كنت لازلت مدرسة للغة الانگليزية في ثانوية الزبير للبنات.. حيث تبعد مسافة 17 كم عن مركز البصرة. وانتشرت الأخبار في البصرة عن نشوب الحرب وضرورة تخزين المؤونة. ذهبت إلى السوق و عدت بسيارة بيك اب محملة بالرز و الطحين و كل أنواع المواد الجافة و الدجاج... الخ.
وحين دخلت البيت، فوجئت بأبي رحمه الله في زيارة لي ليطمئن علي. نظر ابي إلى السيارة المحملة بالمواد الغذائية و قال: شنو هاي؟
فأجبته: بابا لازم تتسوگون.. محد يعرف شگد تطول الحرب.
ضحك ابي، الذي كان عسكريا قبل أن يكمل دورات في الهندسة اللاسلكية (بالمراسلة مع الولايات المتحدة الأمريكية)، ويعمل في دائرة الموانيء/ رئيس ملاحظين في الهندسة اللاسلكية. قال ابي : من كل عقلج تطول الحرب اسبوع؟ اي دولة ماتگدر تطول اكثر من اسبوع الا اذا كان "صاحبنا" حمار مال عسكرية.
طبعا.. صاحبنا طلع حمار مال عسكرية.. لم يدخل بحياته اي كلية عسكرية و لم يخدم حتى الخدمة الالزامية التي خدمها تسعين بالمية من العراقيين. فاستمرت ثمانية سنوات.
في الأسبوع الأول للحرب سقط "علي " ابن عم ابوي، ثم خالي ياسين ثم توالت جثث الشهداء.. تغلفت جدران البيوت و مداخل الشوارع بلافتات الشهداء.. و العراقيون يجترون أيامهم بين الخوف و القصف و القلق على أولادهم.
في السنة الثالثة للحرب، ظهر صدام حسين يبكي على شاشة التلفزيون ليعلن انه يريد إنهاء الحرب، لكن الخميني يرفض وقف اطلاق النار.
والحل عجل يابه؟
اقترض صدام حسين مائة مليون دولار من شركة هاليبورتون الأمريكية ، بينما المقاتلين "ببلاش". واستمرت الحرب دفاعا عن الحدود الشرقية لخمس سنوات قادمة.
واستمرت قوافل الشهداء، في كل بيت "عزاء". بينما هو بشخصيته الاستعراضية، يروج و يسوق لنفسه كقائد للأمة العربية و حامي حمى الحدود الشرقية.
وكانت إحدى خططه اللعينة، ارسال الجنود من العوائل المغضوب عليها الى الخطوط الأمامية للقتال.. وعند التراجع يتم إعدام الجندي، وعند الهرب تقطع اذانه، و حين يتفوه باي نقد يقطع لسانه.
كان الخوف يحرك الناس كالروبوتات.. فعلا تحولنا إلى شعب روبوتات.
فمثلا، عند استشهاد خالي ياسين الجميل.. كان جميلا كممثل اجنبي بشعر اشقر و عينين خضراوين و طول فارع و بشرة بيضاء.. ذهل "المغسلجي" وقال "الله اكبر.. الله يساعد امك".
وكان يجب أن يدفن في النجف، فرافقته امي و بعض رجال العائلة.
امي، وبحرقة قلب الأخت، كانت تبكي وتشتم صدام من البصرة الى النجف.. وحين دخلوا النجف في طريقهم إلى مقبرة "ابو اصيبع" انتبه الرجال إلى سيارة كانت تلاحقهم، فهمسوا لأمي "الأمن ورانه ملاحقينا"
المسكينة خافت.. وحالما توقفوا وانزلوا الجنازة، لطمت قائلة "الموت على الحد موش اعله وسادة"! على اساس هي شجاعة.. و شر البلية ما يضحك.
اما نحن.. العائلة السعيدة ، فأصبح اخوتي كل واحد في جبهة قتال و على الخطوط الامامية، لأننا عائلة مشبوهة و لدينا سجين سياسي.
كنت خائفة و مرتعبة من فكرة استشهاد احد اخوتي، و لربما كلهم.. بينما لم تكن هناك أي بوادر لانتهاء الحرب.
في حرب تحرير الفاو 1986، كانت الوحدة العسكرية التي يخدم فيها اخي وصفي (1959) وعمي ضياء (1958)، وكلاهما غير متزوجين، قد تحركتا مع مئات الوحدات العسكرية إلى الفاو لتحريرها. فأخذ القلق منا مأخذه.
تلك الاثناء، وفي يوم جمعة، تعرض ابني الصغير "علي " لحادث صغير في البيت و ارتفعت حرارته بشدة. أسرعت إلى العشار، شارع الأطباء، لكن جميع العيادات مقفلة.. لانه يوم جمعة.
أسرعت، من العشار مباشرة إلى مستشفى الموانيء.
كانت الممرات مليئة بجرحى معارك الفاو، و الكوادر الطبية تتراكض.. و من سيهتم بطفل عمره سنة؟ اعطوه ابرة ديجوكسين.. فمات!
شاغت روحي...
ركضت من اول الممر الذي تصطف على جانبيه ردهات الأطفال الي نهايته.. كان "صريخي" يهز الكون.. و ينتزع مني اخر ما تبقى لي من روح في صدري.." ابني.. اريد علاوي".
اتوسل بالامهات الباكيات على منظري، يا الله.. يالعباس.. يا مريم العذراء.. اريد ابني..
امسك بي الطبيب و ممرضتين.. و اقتادوني إلى غرفة الممرضين.. تنبهت إلى انهم سيقومون بتشريحه.. فتوسلت "لا تشرحوه".. كان جميلا كوردة.. صحيا و مليئا بالحياة.
اتصل الطبيب بأبي و اخي.. و جاءوا ليأخذوني مع جثة علاوي الهامدة.
خمسة أيام قضيتها بين الحياة و الموت بعده.. و انكسرت كمن فقد اخر امل له في الحياة.
في اليوم الخامس، ذهبت إلى عيادة طبيب، لأنني لم أعد أقوى على حمل نفسي.
رجعت إلى بيت اهلي بعد زيارة الطبيب.. وكان الغروب قد بدأ يفرش عباءته على البصرة الكئيبة. جلست في الكوستر الذاهب الى حي الشهداء.
في منتصف الطريق، نزل بعض الركاب و صعد عم والدي و زوجته ( اهل الشهيد الأول في حكايتي هذه)، فانتبهت لهما و دفعت أجرتهما. في البداية لم تنتبه لوجودي، لكنها انتبهت حين دفعت الأجرة فقالت : ها يمه؟ سودة عليه رايحة لوصفي؟ "
لم افهمها في البداية.. قلت لها :لا رايحة لأهلي
قالت": اي احنا هم رايحين.. وصفي جابوه شهيد"
وصفي؟؟؟؟؟
و مثلما شاغت روحي في المستشفى، شاغت الان في الشارع العام.. لا أدري كيف وصلت.. وكل ما اتذكره هو وجوه الجيران الذين كانوا يصيحون" عواطف اجت"
عيون الجيران الباكية.. أكدت لي الخبر.. وحين وصلت البيت.. كانت الفاجعة.
الفاتحة التي اقامها والدي لابني استمرت الان.. و نصبوا الخيم الكبيرة.. وانا بجسم مدمى و لوعة لا مثيل لها.
خمسة أيام أخرى مضت منذ أن بدأت فاتحة وصفي، و تلقينا خبر استشهاد ضياء.. شاب بطل اخر، عمي لكنه أصغر مني، رياضي و جميل الروح و المعشر.. خصوصا في عائلة كبيرة مثل عائلتنا.. علاقتنا ليست علاقة عم او عمة بابناء اخوتهم، بل كنا أخوة بغض النظر عن من هو أبو من و من هي بنت من.

انتهت الحرب في عام 1988..وبانكسار استقبلت العوائل خبر انتهاءها ولسان حالنا يقول "اللي راح راح.. الله يستر على الباقين"
وكيف يستر الله على الباقين و لازال الارعن نفسه يحكمنا؟
كان منتفخا كديك بري، يسعى إلى أن يروي عطشه للجاه الذي حرم منه.. هذا القروي الاهوج.. لم يكن يعرف أي حلول لأي مشكلة.. ما عدا الحروب.
كان يحل ازماته، حتى مع أفراد عائلته، بالعنف.. أما على الصعيد الدولي، فبالحرب.. و شكو عليه؟ كان عنده كم اعوج محافظ عليهم.. بينما يلقى بابناء العراق من محرقة إلى محرقة.
استيقظنا صباح يوم حار من عام 1990 على صوت الأغاني الوطنية.. و يا گاع ترابج كافوري!
يابه شنو؟ الكويت صارت بيهه ثورة!!
علق أحدهم... لا ثورة و لا بطيخ.. هذا هو الارعن مالنا لاصهه.. واذا صدگ، فاعتبرونه اكلنا.. خر...... ا!
وهذا ما حصل فعلا..
جرت قوافل الشهداء حتى اكلتها الكلاب البرية.
جماعة الزمن الجميل.. تتذكرون؟ لو كنتوا نايمين بحضن نسوانكم عندما كنا نموت؟

الصورة مع أخي وصفي في بيتي قبل استشهاده

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
الأكثر قراءة