Skip to main content

حكومة لبنانية على الموضة

مقالات الثلاثاء 21 أيلول 2021 الساعة 12:04 مساءً (عدد المشاهدات 566)

سكاي برس /

تاج الدين عبد الحق

 

كانت المعضلة التي أعاقت تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة لمدة عام كامل، هي عدد الحقائب الوزارية، وكيفية توزيعها بين الكتل السياسية. ومع أن المدة التي استغرقتها معالجة هذه المشكلة طالت هذه المرة أكثر من المرات السابقة، إلا أن تشكيل الحكومات اللبنانية المتعاقبة، ظل باستمرار العنوان الأبرز لأزمات الوطن الصغير، وكان النجاح في تشكيل الحكومة مدعاة للتفاؤل بحل الأزمات المستعصية الأخرى، والتي دأبت كل حكومة على توريثها للحكومة التي تليها .

 

الحكومة في لبنان تجسيد لفكرة المحاصصة، لا بالمعنى السياسي فقط، بل بمعنى القسمة الفعلية، للموارد الشحيحة، والإمكانيات المحدودة. وبسبب هذه المحاصصة المزمنة أهدِرت طاقات كبيرة، وفاتت فرص ثمينة، واستشرى فساد واسع بعد أن أصبح توزيع الحقائب الوزارية رديفا لتلك القسمة، وتجسيدا عمليا لها.

في الحكومة اللبنانية الجديدة، اختلفوا حول عدد الحقائب، قبل أن يختلفوا على توزيعها بين الأفرقاء السياسيين، زادوا عدد أعضاء الحكومة عندما تبين أن العدد المطروح ليس كافيا لإرضاء المحاسيب، وتلبية الأطماع ما ظهَر منها وما بطَن.

كنا نظن أن حالة الاستعصاء التي شهدتها مشاورات التشكيل الطويلة سببها محاولات الاستجابة لتململ الشارع ومطالبته المستمرة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، لنكتشف أن لبنان عاد إلى ما دون نقطة الصفر على هذا الصعيد، وأن الحكومة بالأسماء المعلنة، وبالسطوة السياسية المعلنة، والمخفية عليها، لن تكون قادرة على مواجهة التحديات الداخلية، ولا الضغوط الخارجية.

 

لبنان مَثل صارخ للكيفية التي يكون فيها التشكيل الحكومي تعبيرا عن الفساد، وهو أحد تجلياته بامتياز . فضلا عن أنه كان وسيلة هروب من الاستحقاقات الحقيقية، والأزمات الفعلية، التي يعاني منها اللبنانيون.

 

وللأسف فإن النموذج اللبناني بدأ يتكرر في المنطقة، وإنْ بدرجات أقل . رأينا مثلا عليه في العراق الذي يظل التشكيل الحكومي فيه ناقصا، بسبب فيتو فريق سياسي على اسم وزير، أو عدم رضا آخر عن حصته في التشكيل . يحدث هذا أيضا بدرجات متفاوتة في ليبيا وفي تونس.

 

وعلى خلاف ما يحدث في الديمقراطيات، إذ يكون سبب الاستعصاء في تشكيل الحكومات طبيعة اللعبة الديمقراطية، فإن عقدة تشكيل الحكومات في لبنان وفي بعض دول الإقليم، لا ترتبط بطبيعة النظام السياسي فقط، بل بصعوبة توافق القوى الخارجية التي تملك تأثيرا سياسيا وماليا، في الشارع السياسي في هذه الدول، وعلى قدرة القوى الخارجية على استثمار هذا التأثير لإفساد الساحة السياسية برمتها .

 

وللإنصاف فإنه في مقابل استعصاء التشكيل في بعض الدول العربية هناك نوع من الاستسهال، الذي يصبح معه تشكيل الحكومات، أقرب لمحاولات الهروب إلى الأمام من الأزمات التي تبقى على حالها رغم تغير الوجوه وتبدل الأسماء. رأينا دولا تغير حكوماتها كما تغير بيوت الأزياء الموضة من موسم إلى موسم، فتعيد إنتاج زي قديم بلمسات جديدة بوهم أنها تطلق موضة حديثة كليا، تجبُّ ما قبلها .

 

وحتى الحكومات المستقرة نسبيا، فإنها في ميزان التقييم، ليست في كثير من الأحيان النموذج الناضج الذي يمكن التعويل عليه في حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فعدد الوزراء في كثير من الأحيان، واحتفاظهم بحقائبهم فترات طويلة، ينتهي بتلك الحكومات إلى نوع من الترهل الإداري والفساد المالي وتتحول الوزارات في غياب الرقابة الفعالة إلى إقطاعيات لبناء ثروات وتوريث مناصب.

تشكيل الحكومات بنوعيتها ومسمياتها، في العالم العربي خصوصا والدول النامية عموما، يكشف في أحيان كثيرة الهوة العميقة التي تفصلنا عن التجارب السياسية الناضجة التي تكون فيها الحكومات بعيدة نسبيا عن التجاذب السياسي، وتكون بمنأى عن إمكانية استثمار المنصب في تحقيق منافع وامتيازات شخصية . ففي بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الاقتصاد الأعظم في العالم لا يزيد عدد الوزراء فيها عن 15 وزيرا يديرون موارد تزيد عن 16 تريليون دولار، وكذلك اليابان التي لا يزيد عدد الوزراء فيها عن 14 وزيرا يتحكمون في ثالث أو رابع أكبر اقتصاد في العالم . إلى ذلك فإن تشكيل الحكومات في هذه الدول تفرضه الحاجة، فتغيب قطاعات رئيسة في تلك الحكومات، إذا كانت إدارتها تتطلب نوعا من المرونة التي لا تتوافر في الإدارات الحكومية التقليدية.

 

ومع الاعتراف أن هناك صعوبة في محاكاة تجارب التشكيل في الدول المتقدمة، فإن الخطوة الأولى تتطلب تغيير النظرة إلى تشكيل الحكومات، وفك ارتباطها أو على الأقل الجزء الرئيس منها بالطاقم السياسي، لتصبح تعبيرا عن حاجات الناس لا قناة لشرعنة الفساد .

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
الأكثر قراءة