Skip to main content

عراق الذاكرة المعطلة..

مقالات الجمعة 25 كانون أول 2020 الساعة 15:20 مساءً (عدد المشاهدات 419)

سكاي برس/

نعمه العبادي
تطالعنا مدونة التاريخ بثلاثة صور تجسد النسبة بين الواقع وصورته المدونة، فالصورة الاولى تتمثل في تجسيد للواقع بشكل مضخم يفوق صورته الواقعية، ويتقدم الامريكان الجميع في هذه الصورة، فقد برع التدوين عندهم في تشكيل صورة منحوتة بطريقة بارعة، ثبتت كل ما يتعلق بهذا البلد حديث الولادة، وشكلت عبر تضخيم المنجز، وبراعة اظهار كل جهد انساني بشكل مميز، وثقافة الشكر والامتنان والاحتفاء بكل ما هو ايجابي، ذاكرة لأمريكا تعادل اضعاف مضاعفة لذاكرة العالم كله، وهكذا كانت (مدونة امريكا) اضخم عشرات المرات من الواقع الذي تحدثت عنه، وهذا التوجه يمثل ثقافة عامة في الحياة الامريكية، ويمثل الصورة الثانية ايران، فالايرانيون يملكون تاريخاً عميقاً وممتداً، ولديهم سلالة دول تناوبت على هذه الجغرافية، وبسطت نفوذها حتى كادت تسيطر على نصف العالم في يوم ما، كما ان المجز الحضاري والفني الايراني لا غبار عليه، وبأزاء هذا الواقع، اجتهد الايرانيون في سرد مدونتهم التاريخية بطريقة ذكية وبارعة، استطاعت ان تثبت كل حلقات تاريخهم بطريقة يتناسب فيها الواقع مع المدون مع الميل في بعض الاحيان الى منهج التضخيم، وفي كل الاحوال، فإن ثقافة الاحتفاء بمنجز الاشخاص والجماعات، وحفظ صور الماضي الايجابية، والشكر والامتنان للرموز والعلامات المنتجة، تمثل حالة واضحة الظهور في الوجدان الايراني، في مقابل هاتين الصورتين، تطالعنا الصورة الثالثة التي مثلها خير تمثيل، المدونة العراقية، فمن المفجع والمؤلم والمدهش والمثير والمزعج و....، أن نطالع مدونة فقيرة بائسة، مليئة بالقطائع التاريخية، والصور الباهتة، والسرد الخجول، كصورة لبلد كل شيء فيه أوحدي ومميز حد التفرد، فإذا اصر البعض على وجود حضارة اخرى لها سبق زمني، فمن المؤكد ان تلك الحضارة المدعاة تقف كتفاً الى كتف أو تتاخر اكثر من رتبة عن حضارة وادي الرافدين، واذا كان هناك ارض يمكن القول بدون ادنى شك انها اول مهبط الانسانية ومحل حركتها الاولى فهي ارض العراق، واذا كان لبقعة ما ان تتشرف بزحام المقدس فوقها بكل صوره فهي ارض العراق، واذا كان لبلد ان يدعي هيمنته على اكثر من حدث تاريخي مصيري ومفصلي في حياة البشرية فهذا للعراق وحده، واذا كان لجغرافية ما ان تشمخ بأنفها لتميزها فهو لارض العراق، واذا تحدثنا عن الثراء والنتاج والبركات والخيرات، فلا منازع للعراق في هذا، واذا كان الكلام عن المنجز الانساني الفردي والجماعي في كل مجالات المعرفة والجمال، فلا احد يتقدم العراقيين في كل هذا، ومع كل هذا الاحتشاد العظيم، فنحن امام مدونة خجولة وباهتة، وثقافة تتنكر لرموزها، وتخجل من ذكر ابداعاتها، وتسمح للآخرين ان ينسبون لأنفسهم ما ليس لهم، بل ترك تاريخها ومجدها نهباً بين يد الغرباء، والاكثر غرابة، ان الكثير من ابنائها ينظرون باندهاش لمدونات منتحلة للكثير من الصور التي في الحقيقة لا واقع ورائها، ويغفلون في ذات الوقت عن واقعهم الذي يكفي لتفاخر العالم كله، فصار البعض يلوذ بسرديات دينية او مذهبية او عرقية او قومية على اساس انها محل احتفائه وافتخاره، وفي ذات الوقت يغفل ويهمل هذا التراث المترع بكل ما هو مميز، ويستبدل الافتخار والانتماء بأرض تزاحمت عليها اقدام الانبياء وحركة الاولياء، وصلى فيها كل مقدس، وكانت مفتتح التاريخ ومبتدأه، وستكون خاتمته ومسكه ومطويته، بوجودات باهتة، لا حقيقة ورائها، زورت التاريخ، وابتدعت لنفسها مجداً لا حقيقة ورائه.
لقد انتجت صورة الاغفال، والتنكر للمنجز، واهمال مثابات الابداع، صورة عن هذا البلد العظيم بكل شيء منه وفيه، يترفع عنها المعظم، ويتجاوزها الاغلب عند الحديث عن الحضارة والحراك الانساني، وهكذا شكلت المؤامرة الخارجية والتواطيء الداخلي تحالفاً، أبقى معظم صفحات السردية العراقية ذابلة وباهتة وفارغة، بل وملأها بخلاف ذلك من الصور السلبية والاحاديث المبتدعة، فكم من حدث تاريخي يتم سرده بطريقة مشوهة ومزيفة تبعد العراق واهله عن المركز الذين هم الأحق به، وتضع (زوراً) بدلهم اشخاصاً وجهات لا علاقة لهم من قريب او بعيد بالأمر، وقد ساهمت هذه الوضعية في تركز حالة انكسار وخذلان في الروح العراقية، ففي الوقت الذي يتفاخر فيه آخرون بمرويات منتحلة ومختلقة، ويشعرون بنشوة التميز، يلوذ العراقيون بالظل في حالة انكسار وخجل، وتيه وضياع وكأنهم لا ينتمون الى هذا الاوحدي الذي لا نظير له.
لا تنتمي هذه الحروف الى نظرة نرجسية او ثقافة استعلائية، وهي لا تبخس الآخرين حقهم في الاحتفاء بما لديهم من منجز، ولكنها تريد تصحيح خلل عميق وتاريخي ومصيري في حياة الامة العراقية، وبه ومعه، لا يمكننا ان نتصور نهضة فاعلة وحقيقية، لذا من المهم، ان يعي العراقيون من هم حقيقة، وما هو تاريخهم وحضارتهم ووجودهم وخصوصيتهم في الزمان والمكان، وعلى اثر هذا الوعي يحددون منطلقات فعلهم الحاضر وما يليق بهم من انجاز، كما ان هذا المدد الثري، يساعد في تجاوز المحن والنكبات، وقد آن الاوان لاستبدال ثقافة التنكر للمنجز والتميز، بثقافة الاعتراف والاحتفاء بكل ابداع ومنجز مهما كان حجمه وصورته، وان يتم تصحيح الكثير من الصور النمطية السيئة التي تشكلت في ظل الاحساس المنكسر الذي خالج العراقيون لردح من الزمن.
هذا الاستحقاق هو اكبر من مقال، واعظم من دعوة، واحق بالاهتمام الجماعي، لذا اتمنى ان ياخذ طريقه، وان يصار الى فعل جماعي يعيد الاحتفاء بالعراق وارثه كما يليق بهم.

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
الأكثر قراءة