Skip to main content

حكمة المرجع الأعلى وتطلعات السيد الابن

مقالات الاثنين 28 كانون ثاني 2019 الساعة 16:20 مساءً (عدد المشاهدات 2008)

سليم الحسني

فرض السيد السيستاني قيادته على الواقع العراقي، من خلال سلسلة من المواقف الحكيمة، أبرزها القضاء على الفتنة الطائفية، وتوحيد الشيعة في قائمة انتخابية لتكون هي الكتلة الأكبر، وإصراره على التقيد بالدستور والالتزام بمواده وفقراته، وغير ذلك.

لقد ظهرت المرجعية الدينية كقوة مؤثرة كبرى في المشهد السياسي لا تجرؤ أكبر القيادات السياسية على مخالفتها. وهو تحول تاريخي يحدث لأول مرة في تاريخ العراق بعد عقود طويلة من التضييق والمحاصرة والقمع والاعدام والاغتيال للعديد من مراجع الدين وكبار العلماء.

بعد تجربة التشكيلات الأولى من العملية السياسية، قرر السيد السيستاني الابتعاد عن أجوائها، وأعلن ذلك صراحة في عدم تبنيه للقوائم الانتخابية، ولا في دعمه للشخصيات والكيانات السياسية، فالمسافة واحدة مع الجميع. ولم يكن هذا الموقف من السيد السيستاني ردة فعل وانكفاء، ولكنها كانت منهجية واضحة اعتمدها للحفاظ على مكانة المرجعية العليا وموقعها ومقامها، وتلك مسؤولية يعيشها مراجع الشيعة عبر العصور، فهم يتعاملون على أن هذا الموقع أمانة كبرى يجب الحفاظ عليها لجيل لاحق، وإلا ضاع الشيعة وانفرط عقد التشيع.

فقد وجد سماحته بعد تجربة الائتلاف الوطني عام ٢٠٠٤، وعدم تمتع النواب والسياسيين بالمسؤولية، وانصرافهم الى شؤونهم الخاصة وامتيازاتهم الفئوية، أن ابتعاده هو الحل الأمثل لحفظ مقام المرجعية في الأمة، وعدم التدخل إلا في القضايا المصيرية، مع تقديم النصح كخطوط عامة من خلال البيانات وخطب الجمعة حسب الحاجة.

لكن الذي حدث أن السيد السيستاني فيما كان يغلق بابه بوجه السياسيين ومسؤولي الدولة، فان نوافذ مكتبه وابوابه الجانبية كانت تفتح وتغلق بحسب الحاجة من قبل نجله السيد محمد رضا السيستاني. وهذا ما أثار الكثير من المطلعين على الأحداث، وجعلهم يتساءلون:

ـ كيف يقول مكتب المرجعية أنه لا يتدخل بشؤون السياسة، بينما التدخل قائم وحاصل في ملفات خطيرة وحساسة ومهمة؟

كانت يد السيد محمد رضا السيستاني تصل الى أهم دوائر الدولة، وكانت مشاعره في الرضا والغضب تحدد مصير كبار المسؤولين. وبعد أن يحقق ما يريد ويُعطّل ما يريد، تتكرر عبارة: (لا نتدخل بشؤون السياسة والدولة).

كل المسؤولين في العراق يعرفون دور السيد محمد رضا السيستاني، وكل السياسيين يعرفون ذلك، حتى صار رأيه المادة القانونية غير المدونة في العملية السياسية.

تتضح الصورة في هذا المجال، عند متابعة تحركات الجنرال قاسم سليماني، فرغم نفوذه في دوائر القرار ـ ومثله سفراء وممثلي دول أخرى ـ فانه يأخذ بالاعتبار موقف السيد محمد رضا السيستاني. وقد اتضح ذلك من خلال التصريحات التي صارت مكشوفة بعد انتخابات عام ٢٠١٨، حيث تلقى سليماني تعليمات قاطعة من المرشد الأعلى السيد الخامنئي، بعدم الخروج عن رأي السيد السيستاني، لكن سليماني لا يمكنه الدخول في التفاصيل والخطوط العملية إلا مع السيد محمد رضا.

يتعامل السيد السيستاني بحكمة المرجع الأعلى وبمسؤولية المرجعية الدينية، فيريد إبعادها عن تفاصيل الحكومة وتعقيدات العملية السياسية، بينما لا يروق الأمر لنجله، فهو يجدها تمر من أمام مكتبه، فيستخدم اصبعه لعزل هذا وتقديم ذاك، ودعم شخص وإضعاف آخر.

من الصعب ان يجد شخص، مكانة والده فلا يستغلها لتدعيم نفوذه وسلطته. هذا أمر صعب، وأمامنا ينبسط تاريخ من التجارب مع أبناء المراجع ونفوذهم في حالات بعيدة عن السياسة، فكيف الحال بهم وقد صار تأثيرهم على السياسة في منطقة الرأس؟

إن المرجعية هي قيادة الشيعة العليا ومصدر قوتهم، ويجب أن نعزز قوتها أكثر فأكثر، لا أن نترك شؤونها بأيدي الأبناء الذين يعملون على تحويلها على أنها ملكهم العائلي الخاص.

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
الأكثر قراءة