Skip to main content

الفشل المبكر للعقوبات الأمريكية على إيران

مقالات الاثنين 05 تشرين ثاني 2018 الساعة 13:42 مساءً (عدد المشاهدات 463)

بقلم: مصطفى السعيد

قبل يوم واحد من تطبيق الولايات المتحدة للحزمة الثانية من العقوبات على إيران، وعلى عكس التهويل الأمريكي السابق بأنها عازمة على خنق إيران تماما، جاء الإعلان المتراخي لمستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون ليقول إن واشنطن لا ترغب في الإضرار بالدول الصديقة والحليفة، وتدرك أن عددا من الدول القريبة جغرافيا من إيران لا يمكنها التوقف عن شراء النفط الإيراني، وكأن بولتون يمهد لفشل الولايات المتحدة في إقناع معظم الدول المستوردة للنفط الإيراني بالمشاركة في العقوبات، لكن بولتون أراد أن يبدو الأمر وكأنه بيد أمريكا وليس تمردا ورفضا لسياساتها، فمنح الإذن لكل من الدول الحليفة أو القريبة من إيران بعدم المشاركة في الحظر النفطي، لكنه يدرك تماما أن الولايات المتحدة لم توفر جهدا في إقناع كل هذه الدول بالاشتراك في الحظر، سواء بالتهديد أو الترغيب ولم تحقق نجاحا، فقد تمسكت دول الاتحاد الأوروبي والهند وباكستان وكوريا الجنوبية بالاستمرار في استيراد النفط من إيران، أما الصين وروسيا فستقدمان لإيران يد المساعدة في تسويق نفطها والتغلب على العقوبات، فقد أعلنت روسيا أنها ستطرح بيع النفط الإيراني في بورصتها، وتعتزم الصين زيادة وارداتها من النفط الإيراني، وهو ما يعني أن العقوبات الأمريكية لن تحقق إلا القليل من النتائج.
المؤكد أن إيران لن تذعن للمطالب الأمريكية المتعلقة ببرنامج تطوير الصواريخ البالستية أو تعديل سياساتها، لأنها تعتقد أن الولايات المتحدة لا تفهم إلا لغة القوة، وسبق لها أن تعرضت لعقوبات شاملة استمرت نحو 40 عاما، ولن يضرها إذا تحملت بعض العقوبات لعدة سنوات أخرى، خصوصا أن ترامب يواجه متاعب داخلية، وأن استطلاعات الرأي ترجح فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي، والذي يعارض خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، ولهذا يمكن للكونجرس بتشكيلته الجديدة أن يعرقل سياسات ترامب، إن لم يتمكن من الإطاحة به.
المقلق لإدارة ترامب أنها ستكون مضطرة لتصعيد الصدام مع طهران، وإلا ستفقد الكثير من هيبتها عند فشلها في تحقيق أي نتائج ملموسة في حربها الاقتصادية على إيران، ولن تجد أدوات جديدة للضغط، بعد استنفاد كل الوسائل، بل إن حلفاء إيران في اليمن سيستفيدون من مطالبة كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بوقف الحرب، تحت ضغط رأي عام متصاعد لوقف الحرب التي تهدد الملايين بالموت جوعا أو بالأمراض الفتاكة الناجمة عن زيادة أعداد الضحايا من المدنيين بلا أي أفق واضح لتلك الحرب التي دخلت عامها الرابع، لتحقق إيران المزيد من النفوذ في منطقة بالغة الأهمية للملاحة الدولية، في الوقت الذي نشطت فيه العمليات العسكرية لقوات الحشد الشعبي العراقي، وورود أنباء عن تدريب تشكيلات عسكرية سورية على الحرب غير النظامية، وقلق إسرائيلي متزايد من عجزها عن مواصة الغارات الجوية على سوريا بعد تزويد روسيا الجيش السوري بمنظومات صواريخ إس 300، ورفض الرئيس الروسي لقاء بنيامين نيتانياهو ووقف الاتصالات بين وزارتي الدفاع الروسية والإسرائيلية.
ورقة التصعيد التي هدد بها بولتون دول الاتحاد الأوروبي التي تفسد خنق الاقتصاد الإيراني هي فرض عقوبات على غرفة المقاصة الدولية المعروفة باسم سويفت، والتي تربط وتنسق المعاملات بين البنوك، وهي ورقة شديدة الخطورة، يمكن أن تلحق الضرر بالنظام المصرفي الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة بدرجة كبيرة، وقد تؤذي البنوك الأمريكية قبل غيرها، وهو ما يعني أن خيارات الولايات المتحدة باتت محدودة، خاصة أن الخيار العسكري مستبعد من الأساس، لما قد يجلبه من مخاطر على الوجود الأمريكي في المنطقة، ولهذا فمن المرجح أن تكتفي الولايات المتحدة بالضغوط الإعلامية والسياسية إلى جانب مواصلة العقوبات، والادعاء بأنها أحرزت الكثير من المكاسب، وأنها نجحت في إضعاف إيران، وإلقاء التبعة على دول المنطقة ومطالبتها بأن تفعل ما عليها.
إن سياسات إدارة ترامب لم تعد تحظى سوى بالقليل من الشعبية سواء داخل الولايات المتحدة أو حلفائها الأوروبيين، لكنها أمام اختبار لمدى جديتها وقدرتها أمام خصم صعب المراس وذكى، استطاع الاستفادة من الأخطاء الأمريكية أكثر من استفادته من قدراته الذاتية، فكل مواجهة خاضتها الولايات المتحدة فى المنطقة خرجت إيران فائزة منها، وهي الآن مدعومة أكثر من أي وقت مضى بحلفاء دوليين أقوياء في مقدمتهم روسيا والصين، وكأن إيران هي رأس الرمح في حرب لن تنتهي إلا بالتسليم للهيمنة الأحادية الأمريكية أو الإعلان عن نظام عالمي جديد قائم على التعددية.

حمل تطبيق skypressiq على جوالك
أحدث الأخبار