Skip to main content

ترامب – بوتين وقمة الجحيم: هل خضع راعي البقر للقيصر؟

مقالات القراء الأحد 09 تموز 2017 الساعة10:55 صباحاً (عدد المشاهدات 1387)
ترامب – بوتين وقمة الجحيم: هل خضع راعي البقر للقيصر؟

فراس عزيز ديب 

في علمِ النفس، هناكَ مكانةٌ ما لدراسةِ حركات الإنسان التي تعبِّر عن نمط شخصيته أو سلوكه؛ من وضع اليدين خلف الظهر الذي يدل على الثقة، إلى وضع اليدين في الجيب الذي يدل على التحكم والهيمنة، ولكن هل حقاً أن الصورة التي أظهرت يد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعتلي يدَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المصافحة الأولى لهما أثناء اجتماعهما الأخير الذي عُقد على هامش قمة العشرين في هامبورغ تعني أن ترامب قد خضع للقيصر؟!
في الشكل؛ هناك الكثير من الأسئلة التي تنتظر أجوبتها، فقد يخرج من يقول: إن «لغة العيون» بين الطرفين بدت إشارة إلى أن هذا اللقاء ليس الأول، فأعداء ترامب في الداخل الأميركي تحديداً يحاولون الاستثمار في أي جزئية تدعم خلاصتهم بأن الجهود الاستخباراتية الروسية هي من أوصلته للبيت الأبيض.
أما في المضمون فالأسئلة أكثر من أن يتمَّ حصرها في هذه السطور، فالقمة لم تكن منتظرة لأنها فقط الأولى بين الرئيسين أو لحجمِ الخلافات العالقة بينهما، لكن هناك أسباباً إضافية طفت على السطح منذ وصول ترامب، أهمها «الأزمة الخليجية» وزيادة الاحتقان المبطن بين دول الناتو نفسها تحديداً في المثلث المكون من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
في الإطار العام أن تتحدث وسائل الإعلام عن تمديد الاجتماع ساعة ونصف الساعة لدرجة اضطرت فيها زوجة الرئيس الأميركي ميلانيا ترامب لـ«الاطمئنان» عليه، فهذا يعني أن المحادثات كانت تمر بسلاسة، بل إن وزير الخارجية الأميركي ذهب أبعد من ذلك ليقول: إن الرجلين سعيَا لمناقشةِ أدق التفاصيل من أجل نجاح القمة، لتبدو السرعة في تفاعل الكيمياء السياسية بين الرئيسين وما صدر عنها من نتائج وصفوها بالإيجابية كأنها توحي بأحد احتمالين:
الأول: أن نتائج القمة أُنجز مسبقاً من خلال الاجتماعات الروسية الأميركية على مستوياتٍ أدنى وقمة الرئيسين كانت للإعلان رسمياً فقط، في هذه الحالة تكون النتائج مبشرة تحديداً بما يتعلق بالرغبة الأميركية في تنفيذ الالتزامات المنوطة بها وهي المشكلة التي أودت بحياة كل ما تم التوصل إليه سابقاً من اتفاقيات.
الثاني: إن النتائج نوقشت خلال القمة في الخطوط العريضة برؤوسِ أقلام، والإعلان عنها بعد قمةِ الرئيسين كان نوعاً من مماشاة للصخبِ الإعلامي الذي ناله الاجتماع، أي إننا لانزال في البدايات وكل شيء قابل للتبدل في القريب العاجل تحديداً من قبل الأميركي، ولا يوجد ترجيح لاحتمالٍ على آخر لكن كلا الاحتمالين يشتركان بنقطة أساسية أنهما يفتحان باباً واسعاً للتساؤلات عن الأمور الغامضة والمتناقضة في كلام الأميركيين بعد الاجتماع، فكيف ذلك؟
بعد الاجتماع قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن لا مكان للرئيس بشار الأسد وعائلته «على المدى البعيد» في مستقبل سورية، وعادةً لا نعلق على تصريحاتٍ من هذا القبيل إن كانت سلباً أم إيجاباً، لأن القاعدة لنا واضحة بأن «مصير» الرئيس الأسد بيد الشعب السوري، لكن اللافت هذه المرة أن كلام الوزير الأميركي وإن جاء متماشياً مع ما نقلته صحيفة «ديلي بيست» بأن هناك إستراتيجية أميركية جديدة تقبل بقاء الرئيس الأسد رئيساً، لكنه جاء متناقضاً مع ما أعلنه حليفه رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان بأن «رحيل» الرئيس الأسد هو شرط مسبق للوصول للحل السياسي.
لا يبدو التصريحين نوعاً من تبادلِ الأدوار، تحديداً أن العلاقة بين الطرفين مهتزة والتركي لن ينسى للأميركي إقصاءه من معركة «تحرير الرقة» لمصلحة الانفصاليين الأكراد، الأدق أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على علمٍ بتبدلٍ بالموقف الأميركي وما قد تفضي إليه قمة بوتين- ترامب فحاول الضرب على النتائج قبل صدورها كالأفعى التي تلقت عدة ضرباتٍ على رأسها، وقبل أن تلفظ أنفاسها تراها تضرب في كل الاتجاهات.
هذا التخبط الأردوغاني لم يسلم منه حتى أصدقاؤه الروس والإيرانيون، إذ بدا واضحاً أنه قد انفلت من أي التزاماتٍ معهم، ولقد ظهر هذا الأمر جلياً من خلال إفشال الأتراك لاجتماع الأستانة الأخير، والإصرار على حشد القوات التركية قبالة «عفرين» لدرجة تحدثت فيها مصادر «انفصالية» عن وساطة روسية إيرانية تقضي بتسليم المدينة للجيش العربي السوري كخطوةٍ تمنع أردوغان من اجتياحها، أي إن كل من الإيرانيين والروس عملياً أخفقوا بإقناع من أنقذوه قبل أشهر من عزلته الدولية حتى بأبسط الأمور العقلانية!
النقطة الثانية هي ما كان قد أعلنه تيلرسون عن أن أهداف الولايات المتحدة وروسيا في سورية «متطابقة تماماً»، ولا نعلم إن كان هذا التصريح لتقطيعِ الوقت أم إن تيلرسون فعلياً يعي ما يقول والأمر ليس نكتة؛ لأننا عندها سنسأل: إذا كانت هذه الأهداف متطابقة تماماً فلماذا تأخر إنجاز الاتفاق حتى الآن، ثم ماذا عن مصير الاتفاقات والتفاهمات السابقة التي تمت بين البلدين بما يتعلق بسورية، هل باتت خلفنا؟ واليوم نبدأ من الصفر أم إنهم فعلياً قادرون البناء على ما تم مسبقاً؟ والأهم لماذا لا تريد الولايات المتحدة التعاطي مع الجيش العربي السوري كقوةٍ على الأرض تحارب الإرهاب بل على العكس فإن الولايات المتحدة باتت تتعاطى معه بالطريقة ذاتها التي تتعاطى بها مع داعش؟ هل حقاً هي أهداف متطابقة، أم هو أسلوب أميركي متجدد في اللعب على الألفاظ والمصطلحات؟!
النقطة الثالثة وهي الأهم، أي الإعلان عن وقف لإطلاق النار في جنوب غرب سورية فيما سيبدو كأنه نوعٌ من الاختبار للنيات بين الطرفين، واللافت أن الحديث عن هذا الاتفاق تم من خلاله الزج بمملكة شرقي نهر الأردن كدولة ثالثة معنية به لأن ما يجري من أحداث على حدودها يتشابك مع أمنها بشكلٍ مباشر لكنهم لم يشرحوا لنا: وماذا عن أمن الكيان الصهيوني أم إن أمن المملكة والكيان واحد؟! هل هذا الاتفاق جاء فعلياً كتتويج لسحبِ فتيل الانفجار من على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة مع كل من سورية ولبنان، على أن يحتفظ الكيان الصهيوني بهذه الجيوب الإرهابية كدرعٍ لحماية شماله؟ من جهةٍ ثانية فإن جبهة النصرة الإرهابية بقرار من مجلس الأمن تنشط وتسيطر على العديد من المناطق في هذه «الجبهة» بدعم ورعاية مباشرة من الكيان الصهيوني، فهل هذه المنظمة الإرهابية مشمولة بهذا الاتفاق لوقف إطلاق النار؟ عندها سنسأل: تُرى من الذين عناهم تيلرسون عندما قال: إنه يثق بأن الإرهابيين سيحاولون عرقلة تنفيذ الاتفاق؟
إن هذه التساؤلات ليست فقط في عهدة الأميركيين، إذ إن على الروس أيضاً أن يقدموا إجابات عن مجمل هذه التناقضات، فلا الأميركي حتى الآن بدا معنياً بالحرب على «النصرة» ولا يبدو أن التفاصيل التي تكمن فيها الشياطين تختلف عن التفاصيل التي غلفت اتفاقيات سابقة مع الأميركيين، ولم يعد يخفى على أحد أن هناك رغبة روسية في جعل الالتفات للمناطق الأكثر أهمية في الجغرافية السورية التي لا تشكل نقاط تصادم مع الأميركي، ولو نظرياً، أولوية، بمعنى تفريغ العدد الأكبر من القوات السورية وحلفائها لقتال داعش والسيطرة على المساحات الشاسعة مع ضمان عدم حدوث تبديل في خريطة السيطرة الحالية بما يتعلق بالجبهات مع باقي التنظيمات الإرهابية، لكن المشكلة التي يقع فيها الروسي بشكلٍ دائم هي عدم وجود ضمانات لمثل هذه الاتفاقيات، فماذا ينتظرنا؟
كان لافتاً أن بوتين قبل ذهابه للقمة بأيام أرسل لمجلس الدوما بروتوكولاً ملحقاً باتفاقية نشر مجموعة طيران تابعة للقوات الجوية الروسية في سورية للتصديق عليه، أي إنه نوع من «تمني الأفضل والاستعداد للأسوأ» بطريقة مختلفة عن الاتفاقات السابقة مع الأميركيين التي تضمنت سحب قوات روسية من سورية كبادرة «حسن نية» كما حدث منتصف آذار من العام الماضي لكنها لم تنفع، كذلك الأمر كان لافتاً التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون مرحباً بالاتفاق، غير مستبعدٍ إخفاقه من دون نسيان أن يحمِّل الروس والسوريين مسؤولية إخفاق الاتفاقات السابقة، فهل هذا التصريح هو بمنزلة رسالة للأميركيين قبل الروس بأن الملف السوري لا يمكن للأميركيين وحدهم الذهاب بهِ حيث يشاؤون بمعزلٍ عن الحلفاء؟
كل شي متوقع تحديداً أن الهوة تتسع بينهم، وكل منهم قادر أن يمارس دوراً تخريبياً في سورية بمفردهِ، وعندها ستكون النتيجة المنطقية لكل ما نتج عن هذه القمة وما سينتج عن قمم قادمة مرهونة بعبارة «دعونا نرَ النتائج على الأرض» لأنها وحدها ستختبر جدية الأميركي وقدرته على ضبط حلفائه، عندها سنعود لحركة الجسم التي تعبر عما يدور في الذهن؛ لأن هناك من سيسير رافعاً رأسه، وهناك من سيكمل حياته وعيناه لا تريان أبعد من ظل قدميه.

اخترنا لكم