Skip to main content

أبعاد المصالحة في العراق ما بعد داعش ؟

مقالات القراء الأربعاء 26 تموز 2017 الساعة10:10 صباحاً (عدد المشاهدات 4164)
أبعاد المصالحة في العراق ما بعد داعش ؟

بقلم .. أحمد الميالي

تعرضت المجتمعات المحلية في العراق خلال احتلال داعش لها ،الى صدمة كبيرة اسهمت بزيادة التوتر الاجتماعي وزيادة منسوب اجواء عدم الثقة بين الاطراف السياسية والاجتماعية نتيجة النزاعات والصراعات التي مرت بها، ولايمكن ترك مشاعر الاستياء الطائفي والتنابذ الاجتماعي بعد التحرير دون معالجات اجتماعية ومسارات سياسية وفكرية ثقافية لان استمرار الاوضاع على ماهو عليه يعرض الاستقرار والتعايش على المدى القريب والبعيد.

حقيقة لكي تكون تجربة المصالحة ناجحة لابد ان لا تتجه الجهات القائمة بالمصالحة الى تفعيل الاطار الانتقامي وتنفيذ العقوبات بسرعة انما تصحيح الاختلالات واعادة العلاقات المتصدعة الى ما كانت عليه وتعمل على تعزيز اجواء الوئام والتقارب تهيئة ً للمصالحة.

فمثلا تجربة المصالحة في جنوب افريقيا بعد حروب الفصل والتمييز العنصري عملت الحكومة بعد وصول نيلسون مانديلا للسلطة الى تحفيز بعض مرتكبي الجرائم الخفيفة لتقديم شهاداتهم ضد الفاعلين في الانتهاكات بغض النظر عن مشاربهم كما اقدمت الحكومة على تقديم عفو محدود ونسبي. مع احترام القانون وانهاء الانتهاكات والاقصاء ووضع اطار قانوني لحقوق الانسان وتحديد اسباب وجوانب العنف، وتم تسخير وسائل الاعلام ومناهج التربية والتعليم لتسليط الضوء على المصالحة والاعتراف بالذنب وطلب الغفران.

المصالحة الوطنية سياسيا مطلوبة في الفضاء العام كهدف بما ينعكس على المصالحة المجتمعية كنتيجة، والحكومة الاتحادية هي المسؤولة عن تنفيذ برامجها فهي اساسا (الحكومة) وصلت من على منصة المصالحة والتوافق والشراكة والتفاهم، فالمفروض ان الفاعليين السياسيين لديهم من الخبرة مايكفي لمواكبة تحديات اجراء وتنفيذ المصالحة على نحو فاعل، فهنالك مجموعة من الخيارات السياسية التي تؤثر على تنفيذ المصالحة الوطنية، فاللهجة التصالحية مطلوبة للتحول نحو سياسات تعيد ضبط العلاقات السياسية بين الفرقاء بشكل ايجابي ، كما حان الوقت حقيقة للنظر في الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ وتنفيذ مواده المعطلة وتشريع القوانين الدستورية وتلافي العيوب الدستورية ان امكن بملحق دستوري يعالج الاختلالات لضمان تحقيق الاجماع السياسي عليه بما يمنحه شرعية ووضوح اكبر.

كما على الفرقاء السياسيين تناسي خلافاتهم وترك المصالح الحزبية والطائفية والعمل بروح الفريق الواحد والمنسجم من خلال احترام مرجعية الدستور وتطبيقه او تعديله ان امكن. صحيح ان هنالك احزاب سياسية كثيرة ونافذة ومصالحها متضاربة الا ان الدخول في عملية مفاوضات سياسية متعددة الاطراف لالتماس اتفاق وطني يحقق المصالحة ويدير الصراعات عبر الوساطات والمساعي الحميدة والاحتكام الى الدستور يسهم الى حد كبير في دعم الوحدة الوطنية.

اما المصالحة المجتمعية فلابد من اليات ومقاربات تواكب تحديات التمركز القبلي والعرقي والمذهبي التي تشكل تحديات مؤثرة ضد المصالحة ولكن علينا ان نبحث ونستكشف الفاعليين المحليين الذين تبنوا وروجوا للمشروع الوطني العراقي والوحدة الوطنية لقيادة مبادرات المصالحة من خلال توسيع حضورهم السياسي والاجتماعي حكوميا.

كما ان اية الله العظمى السيد علي السيستاني الذي يعد بيضة القبان والحاجز الواقي ضد الطائفية يستطيع ان يقود اكبر مشروع للمصالحة المجتمعية في العراق من خلال خطبه وادواته الاخرى لترسيخ قواعد التعايش السلمي وتحقيق الاستقرار. وتمتلك مرجعية السيد السيستاني قدرات عالية من القبول والاقناع للاطراف كافة ان تعود الى الاندماج والتعاون والتفاعل والحوار.

فالحوار هو اهم اداة من ادوات المصالحة الوطنية والمجتمعية لمواجهة العزلة والتقوقع بما يكفي لتبديد الرسائل السلبية والتصورات الرجعية التي خلفها داعش، كما يعد التعليم والمناهج وتغيير الخطاب السياسي والاعلامي والديني للمنابر ورجال الدين من اهم مستلزمات المصالحة المجتمعية بما يكفي ضمان التكامل الاجتماعي على نحو فاعل.

صحيح ان تحديات المصالحة كبيرة ولكن لابد ان تتم المحاولة خاصة اذا توفرت الارادة السياسية الجادة للتفعيل ورغبة حقيقية في تقديم تنازلات متبادلة بين الاطراف والاقطاب السياسية بما يعزز شعور واقعي للجميع بعدم الخسارة في اي مشروع للمصالحة الوطنية، وعلى الساسة ان يقتنعوا ان المصالحة الوطنية لاتعني ان طرفا فقد حظوة يريد استرجاعها ولا طرفا كسبها ولايريد ان يتخلى عنها.

كما ان هذه القوى السياسية عليها ان تراجع مسالة امتداداتها الاقليمية والدولية لان الاستجابة للفاعل الاقليمي والدولي يديم حالة الصراع . كما على القادة والنخب ان يركزوا على مسالة مبارزة الفساد والغاء نظام المحسوبية لادامة السلطة وتقديم نظام الكفاءة في ادارة المواقع الاساسية ،ويعمل الفساد على تحريك المواطن ضد الحكومة بشكل متنامي ويعطل المرافق العامة ويفتح امكانية اعادة جذور قبول بدائل كداعش من جديد.

التحدي الاخر يتمثل بالخدمات وبناء البلد وبُناه التحتية، لان استمرار تراجع الخدمات بسبب الفساد وسوء الادارة وضعف التنمية يقتل كل فرص المصالحة ايا كان شكلها وطنية ام مجتمعية، ويترك البلد يواجه تحديات خطيرة، اذ يعطي الفشل في تقديم الخدمات فرصة للجماعات الارهابية والمتطرفة لجذب الحانقين على الدولة .

يبقى تحدي وجود الجماعات المسلحة المتنوعة من اهم تحديات المصالحة لما يمتلكونه من نفوذ سياسي وشرعية اجتماعية ايضا وخاصة ان كثير منهم لديه رغبة الانخراط في العمل السياسي وان اي تجاهل لهذه الجماعات او اقصاءها يفتح بوابة اخرى من بوابات التمرد وتعطيل المصالحة، فلا بد من اشراكهم بعملية المصالحة والتفاوض رغم التعقيدات الا ان جحودها افضل بكثير من سلبيات تجاوزها.

في النهاية نستطيع القول ان العراق بلد متعدد الطوائف والعرقيات وله خصوصيات ثقافية متنوعة، ولكن تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر يقدم نماذج واضحة وجلية ناجحة في التعايش السلمي والاختلاط الايجابي.

وان مايعكر صفو هذه الصفات ويضع حدا للتعايش الموقت هو :الحروب. واقول مؤقت لان العراق يمتلك حضاريا امكانية اعادة البناء والتكيف، وهذا مايجب ان يعمل عليه الساسة والنخب الان، بان العراق يمكن ان يتشافى ويتعافى سياسيا واجتماعيا عبر الاصلاح وتجنب الحروب ووضع السياسات الفاعلة للادارة والحكم والتنمية. عبر اليقين بان هدف مشروع المصالحة وطنية ام مجتمعية، هو هدف يستكشف المستقبل ولا يغرق في حصار الماضي.

اخترنا لكم