Skip to main content

المملكة العربية السلمانية .. السعودية سابقا

مقالات الخميس 09 تشرين ثاني 2017 الساعة16:41 مساءً (عدد المشاهدات 3305)
المملكة العربية السلمانية .. السعودية سابقا

بغداد  /  سكاي برس

علي بشارة

من بين الرماد الملتهب تنهض العنقاء.. هذه السعودية الجديدة.. هكذا أعلن المستشار في الديوان الملكي السعودي المشرف العام على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية سعود القحطاني، عن دولتهم الجديدة السلمانية وليست السعودية.

ففي ذكرى وفاة الملك المؤسس للسعودية عبدالعزيز آل سعود (15 يناير/كانون الثاني 1876 –9 نوفمبر/تشرين الثاني 1953)، تتجه السعودية إلى الاندثار، ويعلن عن بناء المملكة "السلمانية".

"السلمانية" نسبة إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبالأدق ولي العهد محمد بن سلمان، اختلفت تماما عن السعودية، التي تأسست في 1923 على يد عبدالعزيز آل سعود.

 التغيير الذي يقوده بن سلمان، غير ملامح السعودية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، فانقلب على تاريخ السعودية، وبدأ السعي نحو التخلى عن النفط في موارد الدولة، وتجاوز العلاقات الدولية ليفتح الباب أمام روسيا تارة و(إسرائيل) تارة أخرى، فضلا عن تغييرات اجتماعية كبيرة، غيرت شكل المملكة وهزت هيبتها الدينية، وحاربت القيادات السلفية، ومكنت للمرأة.

 وبات ما كان ينظر له بأنه زواج كاثوليكي في المملكة ليس كذلك، وأن هناك خطوات أخرى باتجاه الانعتاق من العلاقة التاريخية، وتغيير قواعد الشرعية الدينية والسياسية.

 صعد بن سلمان، البالغ من العمر 32 عامًا، بسرعة في سلم القيادة السعودية، بعد أن أصبح والده ملكًا أوائل عام 2015، حين تولي المحافظ الدفاعية والاقتصادية، قبل أن يتم تعيينه في يونيو/حزيران 2017 وليًا للعهد.

 تولى بن سلمان، مهام منصبه في السعودية، ليكون الأمير الذي لم تشهد المملكة مثله من قبل، فلقد كان- وما زال- يتولى مسؤوليات واسعة للغاية، فبالإضافة إلى تقلده منصب ولي العهد، فهو وزير الدفاع بالمملكة، ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، والمشرف الأول على الاقتصاد السعودي وجهود إصلاحه وتحديثه، كما أنه المشرف على مجلس الشؤون السياسية والأمنية منذ الانقلاب الذي قاده على ولي العهد السابق محمد بن نايف.

وبحسب مراقبين، فإن مشهد تصعيد بن سلمان إلى ولاية العهد، وسيطرته على مقاليد الحكم في المملكة، هو بداية لإعلان تنصيبه ملكا.

وتناقلت تقارير إعلامية محلية وغربية، أن بيان تنازل الملك سلمان عن الحكم لنجله محمد، قد تم تسجيله بالفعل، وينتظر اللحظة المناسبة للإعلان عنه.

رؤية 2030

في 25 أبريل/نيسان 2016، كانت انطلاق رؤية السعودية 2030، والتي أعلن فيها بن سلمان، التحول بنمط جديد من الأداء الاقتصادي والتنمية، وإحداث الوظائف، وتغييرات اجتماعية تزيد قدرة السعودية على مواكبة العولمة، وكأنها كانت نقطة انطلاق مملكته الجديدة السلمانية.

وتهدف الرؤية، لزيادة كفاءة الأداء الحكومي من خلال رصده بمؤشرات رئيسية للأداء (KPI)، وتعزيز القطاع غير النفطي، وإعلان إنشاء أضخم صندوق ثروة سيادي في العالم، وطرح 5% من أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العام، ووضع بنية جديدة للاستثمارات السعودية في الخارج والداخل.

وتهدف الرؤية، إلى تنويع مصادر الطاقة، وفتح فرص استثمارية عديدة مثل التعدين، وصناعة الطاقة النووية.

وتركز الرؤية، على برنامجين أساسيين هما صندوق الاستثمارات العامة (صندوقها السيادي)، والخصخصة.

الرؤية، كشفت وضعا جديدا للمرأة باعتبارها مكونا أساسيا من المجتمع السعودي، ولها دور هام في تحقيق هذه الرؤية، على عكس ما كان متبع سابقا.

 وتتضمن الرؤية السلمانية، إنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، بالرياض، لإتاحة الفرصة لغير المسلمين لزيارته، بالإضافة إلى إعادة هيكلة العديد من القطاعات الرياضية لدعم أنشطتها، سواء للمحترفين أو الهواة، ودمج المرأة فيها.

 وتسمل الرؤية أيضا، التوسع في قطاع الصناعات العسكرية، ما سيوفر ربحية عالية ويخلق وظائف جديدة.

 تغير اقتصادي

وبناء على الرؤية، تسعى المملكة السلمانية إلى إنشاء أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم، عبر تسييل عوائد الاكتتاب العام لشركة النفط الأكثر قيمة في العالم، وخفض قيمة المساعدات لأحد الشعوب الأكثر حصولا على الدعم في العالم.

ولتحقيق اقتصاد متنوع، سوف تحتاج السعودية إلى إنشاء قطاع خاص، لم يسبق له مثيل قادر على إنتاج 6 ملايين فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030، وربما أكثر من ذلك في حال قررت النساء الدخول إلى سوق العمل بأعداد أكبر

وتسعى المملكة لأن تستثمر 4 تريليونات دولار من أجل التحول إلى مستقبل اقتصادي جديد، وفق ما أشار به تقرير ماكينزي.

ودفع الجدول الزمني الصعب البلاد بالفعل نحو اتخاذ عدد من القرارات غير المسبوقة أبرزها التحرك نحو عمل اكتتاب عام في شركة أرامكو السعودية.

وبدأت المملكة السلمانية، بالفعل في إلغاء الدعم وخفض الإنفاق العام، قبل أن تقوم بزيادة أسعار البنزين إلى أكثر من الضعف، وهي خطوة صغيرة في الطريق نحو تطبيق أسعار تتماشى مع السوق الدولية.

كما تعتزم المملكة التخلص التدريجي ليس فقط من دعم المنتجات البترولية، ولكن أيضا من دعم الماء والكهرباء على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وتشمل الخطة تطبيق ضريبة المبيعات وضرائب الدخل وتخفيض الأجور الحكومية وهذا يعني انخفاض المرتبات لأكثر من ثلثي السعوديين.

قمع متزايد

أما عن التغير السياسي في المملكة السلمانية، فزاد فيه القمع بشكل غير مسبوق، فاعتقل بن سلمان أعمامه وأبنائهم، وجمع من الأمراء والمسؤولين، رغبة منه في التخلص من خصومه تمهيدا لاعتلاء العرش.

الحملة التي جاءت تحت مزاعم مكافحة الفساد، جاءت بعد أسابيع من حملة أخرى طالت العشرات من الأكاديميين والدعاة، تحت مزاعم الصمت تجاه أزمة قطر.

في المملكة السلمانية، أيضا منع الصحفيين والأكاديميين من التغريد، كما حظرت مقالاتهم، ومنعوا من ممارسة أعمالهم، في مقابل الاحتفاء ولو في الخفاء بمن يمجدون الملك وولي عهده وقراراته.

كما بدأت المملكة الجديدة، بكتائب إلكترونية شرسة، تهاجم كل من يعارض، وتستدعي المغردين لتملي عليهم ما يكتبون، وتحدد لهم الموضوعات التي يتحدثون فيها.

سياسية خارجية

أما على الصعيد الخارجي، فاتسمت المملكة السلمانية بالصدام، فقاد بن سلمان حربا باليمن، متواصلة منذ 3 سنوات، دون تحقيق أي نتائج ملموسة على الأرض، فقد فيها من الجنود والأموال الكثير.

وقاد بن سلمان، سياسة تنتهك بشكل صارخ المعايير الإنسانية ضد المدنيين في اليمن، حتى وثقت الأمم المتحدة انتهاكات بالجملة خاصة بحق الأطفال.

كما تصادمت مع إيران، التي قطعت علاقتها بها، وسط سجال واسع ومستمر واتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية، حتى وصل الأمر إلى حرب بالوكالة الأمر الذي قد يصل إلى حرب بالمنطقة، بحسب مراقبين.

كما قادت السعودية في المملكة السلمانية، أكبر أزمة خليجية، لتقطع مع الإمارات والبحرين ومصر، علاقتها الدبلوماسية مع قطر، وتفرض حصارا عليها.

في مقابل ذلك، باتت المملكة السلمانية، متأثرة بل وتابعة، بحسب مراقبين، إلى الإمارات ورجلها القوي ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، حيث ينظر إلى العلاقة بينهما، باعتبارها مركز التحول المملكة السعودية إلى المملكة السلمانية، بعدما باتت سياسات الدولة المحافظة الغنية بالنفط، تتوافق مع سياسات جارتها الأصغر حجما والأكثر ليبرالية وتنوعا اقتصاديا.

تطبيع

في المملكة السلمانية، انطلقت دعوات غير مسبوقة للتطبيع مع (إسرائيل)، رغم أن التصريح بهذا الأمر علناً كان من قبيل التابوهات (المحرمات)، قبل وصول بن سلمان، إلى رأس السلطة في المملكة.

وشهدت الفترة الأخيرة، تقارباً اقتصاديا غير رسمي بين الرياض و(تل أبيب)؛ حيث زار رجال أعمال ومسؤولون سعوديون سابقون (إسرائيل)، والتقطت عدسات الكاميرات مصافحات بين مسؤولين إسرائيليين وأمراء سعوديين؛ وهو أمر غير مسبوق.

كما يتشارك البلدان النظرة إلى إيران على أنها تهديد استراتيجي لهما، وكلاهما حليفان وثيقان للولايات المتحدة.

ووفق محللين، تأتي الموجه الإعلامية السعودية تجاه (إسرائيل) ضمن خطة من بن سلمان، لتهيئة الشارع السعودي لأي اتفاق محتمل مع الاحتلال.

ومنذ قيام ما يعرف بـ(دولة إسرائيل) عام 1948، رفضت السعودية الاعتراف بها، ودعمت حقوق الشعب الفلسطيني في السيادة على الأراضي التي تحتلها (إسرائيل) منذ عام 1967، ومع ذلك، فإن المملكة الخليجية لم تشارك في أي من الحروب العربية ضد (إسرائيل).

تغير اجتماعي

أما على الصعيد الاجتماعي، فالمملكة السلمانية، أعادت صوغ العلاقة مع المجتمع، عبر جملة من القرارات التي تمّ اتخاذها تنمّ عن تحول تاريخي في الاتجاه، ما يمكن أن نختزله بفك الاشتباك بصورة متدرجة مع المؤسسة الدينية الرسمية، ومع المدرسة السلفية، التي مثّلت على الدوام الأيديولوجيا غير الرسمية للدولة السعودية، كأساس لمشروعية تاريخية وسياسية طويلة المدى.

ويقول مراقبون إن بن سلمان، يسعى إلى الحد من نفوذ التيار الديني، ضمن ما يسميها بإصلاحات تدفع المجتمع السعودي المحافظ بطبعه نحو مزيد من التغريب، ظنا منه أن ذلك التوجه سيجلب له رضا الغرب ودعمه لخطوة تنصيبه ملكا.

وأعلن الملك، إنشاء مجمع للحديث النبوي الشريف، بهدف تنقية الحديث النبوي مما علق به من نصوص وتفسيرات تبرر القتل والإرهاب، في مراجعة اعتبرها متخصصون أنها بمثابة الثورة على أسس السلفية الوهابية التي تبنتها العائلة المؤسسة والمالكة في السعودية منذ نحو قرن.

وخلال الشهور الماضية، أجرت المملكة تعديلات واسعة على صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كانت تعتبر حاميا لتلك الآراء الفقهية ومراقبا لتنفيذ المجتمع تعاليمها، وأدت تلك التعديلات إلى تقليص وجود الهيئة ونفوذها بشكل مفاجئ.

كانت هذه آخر الخطوات نحو التراجع عن نهج المملكة المحافظ، الذي تسارعت خطواته منذ 2005، ثم تدشين عمل هيئة الترفيه في سبتمبر/أيلول 2016، عبر تنظيم فعاليات ثقافية وفنية وترفيهية في مناطق عدة بالمملكة، بعد أن ظلت غائبة عنها لسنوات طويلة.

وخلال الأشهر الأخيرة، فجرت أنشطة تلك الهيئة في مدن سعودية بينها جدة (غرب)، والرياض (وسط)، والدمام (شرق)، والتي تضمنت حفلات راقصة وغنائية، صراعا محتدما بين التيارين المحافظ والليبرالي.

وذكرت صحف غربية، أن السعودية ستكسر تقاليدها الدينية الصارمة وتفتح منتجعا على ساحل البحر الأحمر، حيث سيتم السماح للأجنبيات بارتداء البيكيني جنبا إلى جنب مع الرجال.

ويعتبر هذا المشروع من بنات أفكار بن سلمان، وسيتم تمويله من قبل صندوق الاستثمار العام (صندوق الثروة السيادية) في البلاد، الذي يرأسه قبل فتح المجال أمام مستثمرين أجانب.

ولأول مرة تقام احتفالية اليوم الوطني في السعودية، بحضور العوائل في استاد الملك فهد بالرياض، قبل ان يتم الإعلان عن السماح للنساء والأطفال بحضور مباريات كرة القدم.

والشهر الماضي، واصل بن سلمان، سعيه نحو مملكته الجديدة، حين أكد أنه يريد أن تسود بلده نسخة أكثر اعتدالًا للإسلام، وإنه لتحقيق ذلك سيدفع باتجاه إصلاحات اجتماعية.

وضاربا بـ30 عاما ماضية، قال بن سلمان إن السعودية ستعيش حياة طبيعية، مشددا أنه لن يسمح بأن تضيع 30 سنة أخرى من حياة الشعب بسبب الأفكار المتطرفة.

وسمحت السعودية في خطوة تاريخية، مؤخرا، للمرأة بقيادة السيارة، وألمحت إلى إمكانية السماح بإعادة فتح دور السينما قريبا، كما أعادت بعض الحفلات الغنائية إلى دور الموسيقى في الرياض وعلى شاشة القناة الرسمية.

قيمة المواطن

المواطن في المملكة السلمانية، بلا صوت يتحكم في اختيار حاكمه، ويبدو غائبا تماما، وسيكتفي فقط بمتابعة صراع السلطة، دون أن يكون له رأي فيمن يحكمه.

هذا المواطن الذي سيبقى يحمل اسم سعودي وليس سلماني، مطلوب منه دفع ضرائب جديدة أو تلقي مكرمات، لا فارق، في كلا الحالتين لم يستشر، وعليه أن يقبل ما تحدده له الدولة.

فهو بالأمس استبشر بخطط الإصلاح التي تقتضي خفض الإنفاق وفرض الضرائب، ثم اليوم عليه أن يشعر بالامتنان لأن الدولة تتراجع عن خططها وتمنحه مزيدا من الوقت.

اخترنا لكم